الشيخ الطبرسي
672
تفسير جوامع الجامع
وقَولُهُ : ( عَسِيرٌ ) يُغْني عنْهُ ، لِيؤْذِنَ أنَّه لا يكُونُ عليهم يَسيراً كَمَا يكُونُ على المؤْمنينَ ، فيكُونُ جَمْعاً بين وَعيدِ الكافرينَ وَوَعْدِ المؤْمنينَ . ( ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ ) - هُ ( وَحِيداً ) أي : متَوحِّداً بخَلْقِهِ ، يعني : وَليدَ بنَ المُغِيرَة ، يُريدُ : دَعْني وإيَّاهُ ، وخَلِّ بيني وبينَهُ ، فإنِي أُجْزِئُكَ في الانتقامِ منْهُ عن كلِّ منْتَقم ، فهو حَالُ من اللهِ على معنَيَيْنِ : بمعنى : ذَرْني وَحْدي مَعَهُ ، أو خَلَقْتُهُ وَحْدي ، أو : حَالٌ من المَخْلُوقِ بمعنى : خَلَقْتُهُ وهو وَحيدٌ فريدٌ لا مَالَ لَهُ . وَرُوِيَ عن الباقر ( عليه السلام ) أنَّ الوَحيد مَنْ لا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ ( 1 ) . ( مَالاً مَمْدُوداً ) أي : مَبسُوطاً كثيراً ، عنِ ابنِ عبَّاس ( 2 ) : هو ما كانَ له بين مكَّةَ والطَّائِفِ من صنُوفِ الأموالِ ، من الإِبلِ المؤَبَّلَةِ ، والخَيْلِ المسوَّمةِ ، والمستَغلاَّتِ التي لا تَنْقَطِعُ غَلاَّتُها ، وكانَ له مائةُ أَلف دينار ، وعَشْرُ ( بَنِينَ شُهُوداً ) أي : حُضُوراً معه بمكَّةَ لا يَغيبُونَ عَنْهُ ؛ لِغِنَاهُم عن رُكُوبِ السَّفرِ للتِّجارةِ ، أَسْلَمَ منْهُم ثَلاثَةٌ : خَالدُ بنُ الوَليدِ ، وهِشَامٌ ، وَعمَارَةُ . ( وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ) أي : وبَسَطْتُ له الجَاهَ العَريضَ والرئاسةَ في قَوْمِهِ . ( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ) استبْعاداً لِطَمَعِهِ وحرْصِهِ . ( كَلاَّ ) رَدْعٌ لَه وقَطْعٌ لِطَمَعِهِ ( إِنَّهُ كَانَ لاِيَتِنَا عَنِيداً ) تَعليلٌ للرَّدْعِ على وَجْهِ الاستِئْنافِ ، أي : كانَ معَانِداً لحُجَجنا وآياتِنا مع مَعْرفتِهِ بها ، كَافِراً بذلك لِنِعَمِنا ، والكافرُ لا يستَحقُّ المَزيدَ ، ورُوِيَ : أنَّه ما زَالَ بعدَ نُزُولِ هذه الآيةِ في نُقْصَان من مالِهِ حتَّى هَلَك ( 3 ) . ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) سأَغْشِيَهُ عَقَبةً شَّاقَّةَ المَصْعَدِ ، وهو مَثَلٌ لِمَا يَلْقَى من العقُوبةِ الشَّديدةِ التي لا تُطَاقُ . ( إِنَّهُ فَكَّرَ ) تَعليلٌ للوَعيدِ ، أو : بَدَلٌ من ( إِنَّه كَانَ لاِيَتِنَا عَنِيداً ) ، بَيَاناً لكُنْهِ
--> ( 1 ) رواه العياشي في تفسيره كما في مجمع البيان : ج 10 ص 387 . ( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 647 . ( 3 ) رواه مقاتل . راجع البحر المحيط لأبي حيان : ج 8 ص 373 .